ابو القاسم عبد الكريم القشيري

277

لطائف الإشارات

أراد بناته من صلبه ، عرضهن عليهم لئلا يلمّوا بتلك الغلطة الفحشاء ، فلم تنجع فيهم نصيحة ، ولم يقلعوا عن خبيث قصدهم . فأخبره الملائكة ألا يخاف عليهم ، وسكنوا من روعه حين أخبروه بحقيقة أمرهم ، وأنهم إنما أرسلوا للعقوبة . قوله جل ذكره : [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 72 ] لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 72 ) أقسم بحياته تخصيصا له في شرفه ، وتفضيلا له على سائر البرية ، فقال وحياتك - يا محمد - إنهم لفى ضلالتهم وسكرة غفلتهم يتردّون ، وإنهم عن شركهم لا يقلعون . ويقال أقسم بحياته لأنه لم يكن في وقته حياة أشرف من حياته - إنهم في خمار سكرهم ، وغفلة ضلالتهم لا يترقبون عقوبة ، ولا يخافون سوءا . قوله جل ذكره : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 73 إلى 75 ] فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ( 73 ) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ( 74 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ( 75 ) باتوا في حبور وسرور ، وأصبحوا في محنة وثبور ، وخرّت عليهم سقوفهم ، وجعلنا مدنهم ومنازلهم عاليها سافلها ، وأمطرنا عليهم من العقوبة مالم يبق عينا ولا أثرا ، إنّ في ذلك لعبرة لمن اعتبر ، ودلالة ظاهرة لمن استبصر ، « وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ » لمن شاء أن يعتبر قوله جل ذكره : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ « 1 » جاء في التفسير « المتفرسين » ، والفراسة خاطر يحصل من غير أن يعارضه ما يخالفه عند ظهور برهان عليه ، فيخرج من القلب عين ما يقع لصاحب الفراسة . مشتق من فريسة

--> ( 1 ) أخر الناسخ تفسير هذه الآية عند النقل فوضعها بعد الآية 86 ( إن ربك هو الخلاق العليم ) وقد صححنا هذا الوضع .